welcome all my frinds

الثلاثاء، 8 أغسطس 2017

"الغريب "


استيقظت ذات يوما على صوت ميكروفون مسجد شارعنا ينعي لأهل المنطقة الحاج فتحي ..ويعلن عامل المسجد عن موعد الدفن وصلاة الجنازة ..أصابنا الوجوم وحالة من الحزن تملكتنا على وفاة جارنا العزيز ..فالحاج فتحي يقطن الدور الأول بالعمارة التي نقيم فيها منذ أكثر من خمسين عام .. وقد تربينا  على يديه ..فهو بمثابة والد لنا جميعا  .. وهكذا سكان هذه العمارة العتيقة التي تُعد من أقدم المباني في مدينتنا ..وجميع سكانها يربطهم الحب والمودة وعلاقة امتدت عدة عقود فصار صغيرهم ابن لكبيرهم ..وكبيرهم والد لصغيرهم ..وروح الأسرة الواحدة تربط بين الجميع . .وقد ولدت ونشأت بينهم  حتى جاوزت الخمسين من عمري ..وشب أبنائي في الشقة التي ولدت وتربيت فيها ..فقد استقريت بها بعض وفاة والدي .. وفعل الكثير من أبناء الجيران فعلتي .. وهكذا شهدت تلك البناية ثلاث أجيال متعاقبة .. الأجداد والآباء والأحفاد ..تربطهم عشرة السنين ويجمعهم الود والاحترام ...
بقدر توقعنا وفاة الحاج فتحي  بين لحظة وأخري حيث أنه جاوز من العمر الثمانين ..وسكن المرض جسده النحيل ..إلا أننا تأثرنا كثيرا وحزنا على فراقه.. فقد ألفنا الحياة في كنفه و اعتدنا وجوده بيننا... و تحيته كل صباح  وهو جالس في شرفة شقته يرتشف من كوب شاي ساخن في بيده.. أو يتصفح عناوين الأخبار من خلف نظارته السميكة .. و نلقي عليه التحية ونتبرك بدعواته لنا  ونحن متوجهون  إلى أعمالنا ..

جارنا العزيز لم يكن له سوى ولد وحيد يعمل بالخارج في إحدى الدول الخليجية .. و يعيش بمفرده في شقته بعدما توفت زوجته  منذ أمدا بعيد.. وتوفي له ولدين آخرين في حادث منذ عدة سنوات ..وجميع سكان العمارة يتابعونه للاطمئنان علية وقضاء حوائجه .. فهو بمثابة والد لنا جميعا ونحبه ونقدره ..

 وأيمن فتحي  ابن جارنا الفقيد  رتب حياته علي الاستمرار في عمله وحياته المستقرة خارج مصر وعزم على عدم العودة ..وقرر بيع شقة والدة  وقام بعرضها على سكان العمارة إن كان أحدهم بحاجة إليها ..خاصة وانه قد اشتري شقة كبيرة في أحد الأحياء البعيدة يقضي بها إجازة الصيف السنوية مع أولادة ثم يعاود السفر والرحيل مرة أخري ..
ولما لم يشتريها أحد من السكان..  واعتذر له الجميع قرر عرضها للبيع عند سمسار المنطقة لعدم جدوى الاحتفاظ بها  .

صاحت زوجتي في صباح أحد الأيام تطالبني باللحاق بها في الشرفة  .. وأشارت بيدها إلي رجل وشاب يدخلان العمارة ..وقالت أنه  محمود السمسار يصطحب معه  مستأجر  لمعاينة شقة جارنا بالدور الأرضي ..
انتظرت بالشرفة  حتى خرجوا سوياً   ..ورأيت شاب في مقتبل العمر .. في رقبته سلسلة ذهبية  ..ويرتدي "تيشيرت" بدون أكمام ..وبنطلون قصير"برمودا".. ويطلق شعره بكثافة يسترسل فوق قفاه .. وسرعان أن اتجه   نحو سيارة رياضية حمراء اللون استقلها وانطلق بها مسرعا  ..

لم أعطي للأمر بالاً.. ونفضت موضوع هذه الشقة من رأسي .. وانتظرت  ماذا ستفعل الأيام ..
ذات يوما وأنا عائدا من عملي ظهرا .. وقد حملت معي بعض طلبات المنزل من لحوم وفاكهة وغير ذلك ..واليوم شديد الحرارة ..وقد أخذ مني التعب ما أخذ ..أسرعت وأنا أمني نفسي بحمام ساخن ..وبعض النوم استعيد به بعض النشاط ..
اتجهت بسيارتي نحو المكان الذي اعتدت ركنها فيه .. فوجدت سيارة  تحتله ..عزيت ذلك بوجود زائر لأحد السكان وسرعان ما سوف يغادر ..فأخذت سيارتي وقمت بركنها في مكان بعيد حتى تغادر السيارة الغريبة .

وما أن وطأت قدمي مدخل العمارة حتى فوجئت بكلب يتجاوز ارتفاعه الحمار .. وله وجه أقبح من  الشيطان .. ما أن رآني حتى هجم على وكاد أن يفتك بي لولا ستر الله ووجود سلسلة في رقبته قيدت حركته وجعلتني أنفلت من بين أنيابه بصعوبة .. وهو ينبح نباحاً كالعواء لم أسمع له مثيل من قبل ..
وتمر دقائق كالدهر .. ويتجمع السكان وأهل الشارع ..وإذا بالفتى الذي رأيته منذ عدة أيام مع محمود السمسار يخرج من شقة جارنا .. وابتسامة عريضة على وجهه .. ويبادرني بقوله .. أسف" ياعمو" .. لقد اشتريت الشقة منذ يومين ونقلت بها اليوم ..وهذا كلب للحراسة أحضرته معي  ليمنع دخول الغرباء .. وقد هاجمك لأنه لم يتعرف عليك  ..ولكن مع الأيام لن تصبح غريب عليه ..
وسط الجلبة وحالتي المتردية تذكرت السيارة الحمراء التي تقف مكان سيارتي .. أنها نفس السيارة التي رأيتها مع  هذا الشاب منذ عدة أيام ..
هاهى سيارته تحتل مكان سيارتي ..وكلب أبن ... يهاجمني ويكاد يفتك بي .. لأني  غريب عنه .. وأنا الذي أقطن بالعمارة والمنطقة  منذ ما يزيد عن نصف قرن ..
نظرت لهما ملياً.. وأصابني الصمت ..وتوجهت إلى شقتي ..وشعور بالغربة يتملكني  .




"النهاية "



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق