welcome all my frinds

الجمعة، 11 أغسطس 2017

"صرخة جرس "... الجزء الثاني

لازالت المرة الأولى التي رأيت فيها زوجتي صافيناز محفورة في ذاكرتي ..وخفقان قلبي وأنا أرقبها وهى تقدم لنا زجاجات البيرة في تلك الحانة التي يرتادها المصريون في العاصمة النمساوية فيينا ..فقد عرفتها نادلة في هذه الحانة الشهيرة التي أصر أصدقائي علي مصاحبتي للسهر فيها في إحدى زيارتي للنمسا لإنجاز بعض الأعمال الخاصة بشركتي في مجال الاستيراد والتصدير ..حيث تضطرني ظروف عملي إلى السفر إلى بعض البلدان العربية و الأوربية لإنجاز بعض الصفقات ..أو متابعة شحن البضائع ومحاولة تسهيل إجراءات نقلها من و إلى هذه البلدان .. وتجمعني صداقات كثيرة ببعض المصريين و الأجانب المقيمين في هذه البلاد ..وكثيرا ما أحرص على ملاقاتهم والسهر معهم وتبادل الحديث في الأحوال التجارية والحياة الاجتماعية ..وغير ذلك من الأخبار التي تفرض نفسها على الساحة وتكون محل اهتمام وحديث الساعة ..وكثيرا ما كانت سهراتنا تتجاوز الوقار والأحاديث الجادة إلي بعض الأحاديث اللاهية والمغامرات والشطحات الشخصية .
ذهبت بصحبة أصدقائي إلى حانة المصريين كما يطلقون عليها في فيينا .. فكما علمت أن معظم روادها من العرب ..ونادرا ما يرتادها أهل النمسا أو الأوربيين ..وقد ذاع صيت هذه الحانة ..حتى أصبحت ملتقى يجتمع فيها المصريون على صوت أم كلثوم.. وطرب عبد الوهاب ..ويعود بهم الحنين لأيام اشتاقوا إليها ..وكلمات نقشت ذكرياتها في قلوبهم .
مضي على وجودي بالنمسا أكثر من تسعة أيام قضيتها في عمل مضني حتى استطعت أن أنجز ما جئت من أجله ..وتأهبت للعودة إلى مصر لمباشرة أعمالي هناك ..ولذلك لم أجد غضاضة أن أستجيب لنصيحة أصدقائي وأذهب معهم إلى هذه الحانة ..أزيل عن كاهلي تعب الأيام الماضية ..وأحاول أن استعيد حيويتي ونشاطي ..وما أن وطأت قدمي صالتها الفسيحة حتى وجدت أعدادا كبيرة من الرواد تكاد تشغل كل حيز فيها ..و دخان السجائر والشيشة يعبئ المكان ويحوله إلى فضاء ضبابي ..و ضحكات رنانة تأتي من أماكن متعددة في أنحاء الحانة ..ونساء أوربيات وعربيات يتوسطن بعض الموائد ويتجمع حولهن عدد من الشباب وقد وضعت أمامهم زجاجات الخمر وأكواب البيرة ..وألمح بطرف عيني بعض الرجال الوقورين وقد انزووا في أحد الأركان واندمجوا معا في نقاشات جادة وقد تراصت أكواب عصير البرتقال على منضدتهم ..وفي ركن آخر مجموعة من الشباب والفتيات يتراقصوا سويا على موسيقى صاخبة وسريعة وهم يتمايلون ويأتون بحركات تشنجية وكأنهم ينفضون عن أنفسهم شرقيتهم التي أعيتهم طويلا ويبدو أنهم قد أبوا الاحتفاظ بها على الأقل في تلك الحانة المصرية ذات النكهة الأوربية .
كنت قد أعتدت على مثل هذه الحانات في سفرياتي المتعددة التي أقوم بها من حين لأخر..لذلك لم تستوقفني كثيرا هذه المشاهد ..ولم تروق لي هذه الحانة ..وكدت أن أختنق تحت وطأة الدخان الذي يملأ سماءها فتبدو وكأنها ضُربت برياح الخماسين التي تنثر ذرات رمالها في العيون فتسيل دمعها .
اتخذت قراري بعدم إطالة المكوث في هذه الحانة وترك أجوائها الغير محببة إلى نفسي ..وعزمت تناول مشروبي واستئذان أصدقائي ومغادرة هذا المكان إلى الفندق الذي أقيم فيه ..وربما أمكنني التسكع في بعض شوارع النمسا وارتياد بعض محلاتها فلعلي أستطيع شراء بعض الهدايا التي أوصتني بشرائها زوجتي الحبيبة ..فكم أشتاق إلى عودتي لمصر والراحة في بيتي بعد عناء عمل أطال بي المقام في العاصمة النمساوية ..وعموما فقد هانت ..فربما يوم أو يومين على الأكثر وأغادر إلى بلدي وبيتي.. أحتضن بناتي وأسعد بابتساماتهن وفرحهن بوصولي والهدايا التي أحملها لهن ..وأعيش لحظات حب ودفيء بين أحضان زوجتي أتناسى معها تعب وشقاء الغربة..والعمل المضني الذي يحرمني من وجودي بينهن كل فترة من الزمان .
جلست أستمع إلى صوت أم كلثوم يأتيني خافتا وسط هذا الضجيج ..في انتظار الطلبات التي تطوع أحد الأصدقاء بدفع حسابها ..و طلبت زجاجة من البيرة عزمت أن أحتسيها وأغادر المكان سريعا ..غير أنه قد حدثت المفاجأة التي غيرت سير حياتي وأوصلتني إلى ما أنا فيه الآن وما أعانيه كل ليلة من هجوم هذا الكابوس الليلي الذي أرق نومي .
فقد انتزعني الواقع من عالم الخيال الذي كنت أسبح فيه بأفكاري في بلدي مع وزوجتي وبناتي ..وإذا بصوت ملائكي يأخذ بالعقل ويذيب القلب ..وفتاة ممشوقة القوام غاية الروعة والدلال ترص الكؤوس على الطاولة ..ثم تفرغ زجاجات البيرة التي طلبناها ..وتقدمها لنا بإحساس يقطر رقة وعذوبة ..وأنا مبهوت مغيب الوعي في هذا الجمال الرباني وتلك المخلوقة الملائكية وهى توزع نظراتها وبسماتها على الجلوس جميعا ..وقد بادلها بعض الأصدقاء قليل من كلمات الشكر..والبعض الأخر داعبها ببعض كلمات الغزل ..وبقيت أنا لأنطق بنبت كلمة ..فقد تحجرت الكلمات على لساني وضاع قاموسها ..وما هى إلا لحظات حتى فارقتنا لتتابع طاولة أخري وزبائن آخرين ..فهى إحدى النادلات في هذه الحانة الكبيرة ..وتعمل على خدمة زبائنها وتلبية طلباتهم ..وتجتهد لكسب ودهم ..بتوفير خدمة جيدة ..وفي بعض الأحيان بكلمة أو بسمة ..وربما تتجاوز بمداعبة أو غزل .
أخذت أنظر إليها وهى تغادرنا وقد أعطتنا ظهرها متوجهة إلى طاولة بجوارنا ..وقد أسرني شعرها المسترسل خلف ظهرها بلون سواد الليل .. يتجاوز خصرها ويكاد يطول أردافها اللينة المتمردة على ثيابها ..ليسدل عليها ستارا كأنه سياج حريري ضرب حول محمية طبيعية يقيها النظرات الجائعة والعيون المتطفلة التي ترصد اهتزازتها وهى تعلن عن جمالها الفتان عندما تخطو صاحبتها في زيها القصير الذي يعلو ركبتيها ولا يكاد يغطي إلا جزءا يسيرا من جسدها .
انتظروا البقية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق